كل النعال لا تكفى … مقال للدكتور محمد عباس

انتصار .!!


كان ذلك قبل كارثة المجد للعذراء (1991) وثعلب الصحراء (1998)..

كانت العراق ما زالت عضوا مكتملا - ولا أقول صحيحا -فى جسد العالم العربى المريض ..قبل أن يتحول إلى نزيف مستمر...

كانت إسرائيل أيامها هى التحدى الذى نواجهه..

وذات يوم اندفع صاحبى وهو يحاورنى ظانا أنه ألزمنى الحجة، وكأنه يلقمنى الحجر الذى سأخر بعده صريعا فيقفز على صدرى صارخا صرخة النصر شاهرا سؤاله يقطر من دمى، أو كأن سؤاله صاروخ كذلك الذى أصاب يحيى عياش أوجوهر دوداييف، أو رصاصة كتلك التى أصابت فتحى الشقاقى ، سوف تتهاوى بعدها حججى وينهار منطقى فلن أنطق بعد سؤاله الاستنكارى المفحم بكلمة:

- ماذا تريد ؟ هل تريد أن نحارب إسرائيل ؟!..

فأجبته بعد صمت :

- لا . . .

فارتخت جوارحه مؤهِّبًـا ملامحه لنشوة الانتصار الحاسم . .

لكننى واصلت . . .

- ليس إسرائيل فقط، بل إسرائيل وأمريكا وأوروبا وكل طواغيت الأرض، وكل من يريد أن يطفئ نور الله ، فليست مهمتنا أن نحارب الظلم والقهر والجبروت واستغلال الإنسان فى بلادنا فقط بل فى كل بقعة من بقاع الأرض..

ونظر الصديق نحوى ذاهلا فتماثلت لمخيلتى أحاسيس المسلمين المحاصرين بالأحزاب وقد ضاقت الدنيا بهم وبلغت القلوب الحناجر ويظنون بالله الظنون، فيبشرهم الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه وهم تحت وطأة الحصار ذاك بالانتصار على كسرى وقيصر..

قلت للصديق الذاهل :

وسننتصر ...

هزيمة

لماذا يا كتّابُ استيأستم من نصر الله، ولماذا ظننتم أنه يخلف وعده؟. لماذا اندفعتم من عبادة الرحمن إلى عبادة السلطان، يا من كان المفروض أن تمثلوا ضمير الأمة، والحلقة التى تصل ما بين نبض الأمة ووعى الحاكم، لماذا انفصلتم عن الأمة انفصال النخب الحاكمة عنها، وهل لى أن آمل والوضع ذاك، أن أنتظر من أحدكم أن يقول لحاكمه وولى أمره أن أسوأ ما حدث فى الحقب الأخيرة ليس ضعضعة الوطن أمام أعدائه، ولا الاستسلام الرافع زورا راية السلام، ولا الاشتراك فى سحق العراق، ولا انهيار الاقتصاد، وإنما هو ذلك التلوث الأخلاقى المذهل الذى ألمّ بكم أول ما ألمّ، والذى ترتب عليه افتقاد المعايير والقيم، وغيبة الخجل ما يشين . فقد كان انهياركم ذلك خلف كل انهيار أصاب الأمة ... ولولا خيانتكم ما وسل الحال بالأمة والحكام إلى هذا المدى الوعر ..

دعارة

تعلمون يا معشر الكتاب، أن فقهاء علم الإجرام يقولون أن لكل مجتمع جرائمه التى يستحقها، ولعلكم ترون أن بعض هذه الجرائم، تولد من المجتمع، كما يبرز الرمز فى عمل أدبى عظيم، أكثر شفافية وصدقا وإيحاء من الواقع، ومن هذا المنطلق، ارتجّت نفسى، وزلزل قلبى، إزاء تلك الجريمة ، والتى ظل فيها ذلك المضيف الجوى، ولمدة عشر سنوات، ذلك الديوث، يستمتع باصطياد الرجال ليرغم زوجته على إتيان الفاحشة معهم، وأمام عينيه .

كنت أحاور صديقى، محاولا ربط الرمز بالواقع، وتشبيه ما يفعله بعض حكامنا حين يستمتعون باستدعاء الأجانب للعبث بشئوننا بما فعله ذلك المضيف، وفجأة وجدته يقول :

لم يخل عصر من خيانة بعض النخبة والكتاب لأممهم، لكنهم كانوا دائما يخجلون من خياناتهم، يشعرون ببعض تأنيب الضمير، ويستترون، إلا فى هذا الزمن، إنهم يمارسون الخيانة باستمتاع، ويفخرون بذلك .. ويسفهون غيرهم ...

و طفقت - وأنا أقاوم لجج اليأس واثقا من النجاة - أتساءل لماذا يثير إبراهيم سعدة قضية الـ 5600 مصرى الذين يدعى أن صدام حسين قتلهم؟ لو أن ما يدعيه إبراهيم سعدة كان حقيقيا لأدنته أشد الإدانة ولصرخت فى وجهه : كلمة حق يراد بها باطل، فما بالنا إذا كانت الحكاية كلها باطلا، وقد تم التحقق من بطلانه، و لأن فيه ما يشين فقد فضل الجميع السكوت عنه، ولكن إبراهيم سعدة يحتفظ بهذا النوع من الباطل كى يستعمله دائما ضد الأمة، ضد الأمة كلها ...

وأصل الحكاية أن عددا من المصريين يتراوح بين مليون وثلاثة ملايين - على اختلاف السنين - ذهبوا إلى العراق بعد أن عجزت حكوماتهم عن توفير لقمة العيش الشريفة فى بلادهم، كانوا جميعا فى سن العمل وكان معظمهم من الشباب وقد ذهبوا بدون زوجاتهم، وكان معظم الشباب العراقى مجندا على الجبهة فى الحرب مع إيران، وحدث ما يمكن توقع حدوثه من علاقات مشينة بين أزواج بلا زوجات و زوجات بلا أزواج، و أعقب ذلك ما يمكن تصوره من جرائم قتل بسبب الشرف والخيانة... نفس النوع من جرائم الشرف ذلك حدث فى مصر مع زوجات بعض المصريين الذين ذهبوا إلى العراق ...

جريمة تحدث فى مجتمعاتنا وفى أى مجتمع شرقى، يضاف إليها أن المصريين عندما ازداد عددهم فى العراق كونوا مجتمعات وأحياء خاصة بهم، وفى هذه المجتمعات - كما يحدث فى مصر - تعامل بعض المصريين - تاما كبعض العراقيين - مع المخدرات إدمانا وتجارة..والقانون فى العراق - كما هو فى مصر - يقضى بالإعدام ، لكنه فى العراق قانون ينفذ بصرامة...

جرائم طبيعية، لكن السيد إبراهيم سعدة حولها إلى قاعدة قصف للأمة - لا أشك كثيرا أن وسائل إمدادها وتوجيهها متصلة بوسائل إمداد الكروزو والتوما هوك، أو على الأقل أن المنبع فى الحالتين واحد ...

وليس لى ثمة عتاب على الأستاذ إبراهيم سعدة، فهو أيضا ظاهرة طبيعية يحفل بها أى مجتمع، لكن العتاب لمجلس الشورى، الذى وضعه حيث وضعه، جرحا فى ضمير الأمة ونزيفا فى وعيها..

مكاشفة

أتوق إلى طهر المكاشفة والاعتراف، ولكم وددت حينئذ أن يقف أحد الحكام ليعترف، واحد فقط، ليقول أنه مسئول، أنه أب للهزيمة، وأنه أخطأ، وأنه يتنحى،يقف ليواجه الأمة كلها لا شعبه فقط، وليسجل فى التاريخ، نائبا عمن عداه، أنه قد عجز عن إكمال ما بدأ، وأن أخلاق الفارس تمنعه من المضى لإنجاز عكسه.

وددت أيضا أن يقف أحد الوزراء أو القادة أو الكتاب، ليقول أنه مسئول، أنه يمت للهزيمة بنسب، ورحت أتخيله، وقد وقف، وقد طهرته المأساة، ليعترف باكتساح الهزيمة الكاملة الشاملة، لعالم ظللنا نحلم به القرون تلو القرون، عالم يسود فيه الصدق لا الكذب، ويعلو العلم لا الجهل والهمجية والغوغائية وعبادة الأوثان، وتسمق مكارم الأخلاق، عالم لا يتفشى فيه التلوث الأخلاقى كالوباء.

ووددت أن يقف أحد الكتاب ليعترف، أنه إنما كتب ما كتب، وكذب ما كذب ، ولوث من وعى الأمة ما لوث، مقابل أكياس من الذهب، جاءته من هنا وهناك، لقاء بيع دينه و أهله ووطنه و أمته، فليس من المعقول ولا من المتصور، أن خالد محمد خالد -غفر الله له - هو وحده الذى أرسلوا إليه كيسا من الذهب كى يكتب ويكذب، لقد أعاد خالد محمد خالد ذلك الكيس وفضح من أرسله ونشرت الصحف ذلك، لكننى أود أن يتقدم الآن واحد من الذين لم يعيدوها، فى لحظة طهر تعقب عمر عهر...ليعترف ...

دفاع عن الزنا!!

ليس لدى فى ذلك أى خبرة .. لكننى أعتقد أن الطريقة الوحيدة التى قد تكون مجدية فى الدفاع عن الزنا هى إنكاره أصلا.. الإنكار ثم الإنكار ثم الإنكار مهما كانت الأدلة والشواهد .. أما أن يتم الاعتراف بالزنا ثم محاولة الدفاع والتبرير فلا يعنى إلا أن المدافع قد خسر القضية لحظة طرحها...

كنت أقول ذلك لنفسى و أنا أشاهد ذلك المذيع التعس فى تلك المحطة الفضائية وهى تحاول الدفاع عن الوجود الأمريكى بالمنطقة وعن ثعلب الصحراء ومشاركة قواعد الفرنجة على أرضها فى القصف، وراح المذيع يتصل بالعديدين فى بعض العواصم العربية ( من يدافع عن الزانية؟) ، وبمناسبة أن رمضان يحب الفرفشة فقد خلط المذيع بين رئيس تحرير صحيفة ورئيس تحرير صحيفة أخرى (مصريين للأسف) فأخذ يناقش الثانى فى مقال كتبه الأول، وارتبك الثانى فأخذ يسعل بعد أن أصابته(شرقة) ، راح يرتشف من كوب الماء ، ثم لم يجد مناصا من إكمال المهزلة فراح يدافع عن المقال...

حتى المذيع وجد أن الحكاية واسعة جدا فحاول أن يسبغ عليها قدرا من الواقعية فسأل الصحفى - الذى لم يكتب المقال - عن المناسبة فى إثارة موضوع موت المصريين فى العراق .. وهنا اشتد سعال الصحفى .... ولكنه واصل الدفاع عن ... الزنا...!!

وقلت لنفسى أنه حتى الزانيات فى الأفلام السينمائية يكن أكثر منطقا فى تبرير وقوعهن فى الحرام ....

لكننى استدركت أن السبب قد يكون فى منطق المخرج لا فى عهر الزانيات..!!..

لذلك فإننى أنصح أولى الأمر فى أمريكا وإسرائيل بتعيين مخرج مقيم لهذه البرامج... لأنها بهذه الصورة تحقق عكس المقصود منها تماما... فهى لا تفلح فى إطفاء الغضب ... لكنها تضيف إليه الاشمئزاز والقرف.

ثورة النعال

فى لحظة عجز بدت مطلقة ابتكرت العبقرية الفلسطينية ثورة الحجارة..

وفى لحظات عجز كتلك ابتكر الطلاب فى جامعة الزقازيق والممرضات فى جامعة الإسكندرية ثورة النعال حين انسدت أمامهم كل السبل للتعبير عن موقفهم ممن يشوهون الدنيا بعفنهم ويسممون الوجود بكذبهم، ولقد أبدى المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان انزعاجه الشديد من تلك الظاهرة، ولست أدرى إن كانت لديه دوافع شخصية لذلك أم أنه يخشى أن تنتشر على مستوى قومى... أن تصبح ابتكارا آخر لعبقرية تعجز عن فعل شئ آخر...

وقلت لنفسى أن هذه الظاهرة إذا انتشرت فسوف يرتفع ثمن النعال إلى أرقام فلكية...

فكل النعال لا تكفى...

كل النعال لا تكفى ...

كل النعال لا تكفى..
كل النعال لا تكفى … مقال للدكتور محمد عباس كل النعال لا تكفى … مقال للدكتور محمد عباس بواسطة Mohamed Omar في 6:16 PM تقييم: 5
جميع الحقوق محفوظة اطروحات © 2016 | تعريب : مدون محترف
Powered by Blogger.